اسماعيل بن محمد القونوي

404

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والاستقراء الناقص غير نافع ألا يرى أن قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى [ فصلت : 17 ] الآية يفهم منه أنهم مهديون بالهداية بنصب الدلالة وإرسال الرسل مع أنهم ليسوا بمهتدين كما نطق به قوله تعالى : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى [ فصلت : 17 ] الآية على وجه ظاهر واعترض على قوله إنه لا مدح إلا بالوصول بأن الاستعداد كمال والتمكن من الوصول إليه فضيلة يستحق المدح عليه انتهى وهذا غريب جدا إذ التمكن من الوصول إليه كونه فضيلة إذا لم يضيعوا وإذا أفسدوا تلك الحصلة وعملوا بخلافه صار صاحبه مذموما مدحورا وكون التمكن في نفسه فضيلة لا يفيد ولذا ذم اللّه تعالى الكفار بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] الآية انظر كيف الحق العدم قواهم واستعدادهم وقوله تعالى : فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [ الإسراء : 48 ] أي إلى الحق والصراط المستقيم فتأمل في أنه تعالى سلب عنهم الاستطاعة والتمكن الخ بالوصول إلى الحق بانهماكهم في الطغيان وإصرارهم على التقليد فكيف يقال إنه في نفسه فضيلة مع أنه ملحق بالعدم بالنص الصريح من الأوصاف التي تستعمل في المدح مطلقا لا أنه يعرض له ذلك وعن قوله : أمرته فلم يأتمر قاله البرذوي في أصوله ألا ترى أن أمر فعل متعد لازمه ائتمر ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار فقضية الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالائتمار ألا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه لسقط الاختيار من المأمور أصلا وللمأمور عندنا ضرب من الاختيار معنى هذا الكلام أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازما إلا إذا اتفقا في الوجود قال ابن الحاجب معنى المطاوعة حصول فعل عن فعل فالثاني مطاوع لأنه طاوع الأول والأول مطاوع لأنه طاوعه الثاني فإذا وجد المطاوع يجب أن لا يتخلف عنه المطاوع فإذن معنى أمرته فائتمر جعلته مؤتمرا فائتمر لكن منع الائتمار معنى سقوط الاختيار ولزوم الجبر فعرض له عارض فوجب العدول عن الحقيقة هذا وإن الواجب توخى الجمع بين القولين ورفع الحاجز بين البحرين بتحقيق معنى الهداية أهي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في الدلالة المخصوصة أو عكسه أم هي مشتركة بينهما أو موضوعة للقدر المشترك وهو البيان وفي صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري فهديناهم دللناهم على الخير والشر كقوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] وكقوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 3 ] والهدي الذي للإرشاد بمعنى استبعدناه من ذلك قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] وقال الزجاج والواحدي معناه البيان وقال الجوهري الهدى الدلالة والإرشاد وقال صاحب المطلع معنى الهداية في اللغة الدلالة فقال هداه في الدين هداية إذا دله على الطريق والهدى يذكر لحقيقة الإرشاد أيضا ولهذا جاز النفي والإثبات قال اللّه تعالى : إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] وفي كلام صاحب الكشاف اشعار بأن الهدى حقيقة في الدلالة الموصلة إلى البغية مجاز في مجرد الدلالة وذلك قوله في حم السجدة أَ لَيْسَ [ الأنعام : 30 ] معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة ولهذا انتصب لإقامة الدليل على حقيقتها في هذا المعنى وأنها حقيق أن يحمل عليه في هذا المقام لاقتضاء مدح الكتاب وكونه كاملا في بابه والإمام لما رأى الدلائل منصوبة في كونها حقيقة في مطلق الدلالة انتصب لإبطال مذهب صاحب الكشاف هربا من الاشتراك إلى المجاز وكان الزجاج والواحدي ذهب إلى القول بالقدر المشترك بين المفهومين